محمد المختار ولد أباه
27
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
أساس لتفسير نظام الإعراب ، ووسيلة إرساء القواعد التي أدت إلى استعمال الأقيسة واستنباط العلل . ولقد أثارت هذه النظرية جدلا بين القائلين بها فاختلفوا في تصنيفها وأنواعها . ثم كان من بينهم من ألح أنها مجازية ، لأن الذي يحدث الرفع والنصب والجزم هو المتكلم نفسه وفقا لما يقول ابن جني ، ولقد التقف ابن مضاء هذا الرأي في كتاب الرد على النحاة ، وهاجم النظرية من أساسها ، محاولا هدمها وإبطالها ، واعتقد استحالتها منطقيا ، لأن تأثير العامل النحوي فيما يقول ابن مضاء لا يتم إلا بعد انتهاء الحدث ، ومن المحال أن يأتي السبب بعد حدوث المسبب ، ووصل به الأمر إلى القول بحرمتها شرعا حينما يتعلق الكلام بالقرآن الكريم . لأنه قول برأي لا أساس له « 1 » . ولعل هذا الجدل قد نشأ عن غموض في مفاهيم المصطلحات التي استعملت في هذه النظرية ، زيادة على تعقيدها حينما تنقسم إلى أنواع مختلفة منها ما هو ظاهر ، ومنها ما هو معنوي ، ومنها ما يعمل مذكورا أو محذوفا . ولتوضيح هذه النظرية نستعرض باختصار مفهومها والأسباب التي دعت إلى وضعها . يقول النحاة إن الإعراب تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظا أو تقديرا ، فإذا قلنا « أكرم زيد عمرا » فالفعل « أكرم » ، عمل الرفع في « زيد » والنصب في « عمرو » وإذا قلنا إن زيدا قائم ، فالحرف « إن » عمل النصب في « زيد » ، والرفع في عمرو وهكذا . والمعنى المتبادر هنا أن هذا الإعراب حصل نتيجة المعنى الحادث ، لوجود « أكرم » و « إن » ، غير أن التأثير ليس سببا بالمعنى الشرعي أو المنطقي . وإنما هو تقرير استقرأه العلماء من سماع أهل اللغة ، فلاحظوا ارتباطا بين أنواع من الكلمات وتشبث بعضها ببعض واصطلحوا أن يسموه ب « العامل » ، كما سموا المعربات التي بعده ، ب « المعمولات » . والتأثير هنا ليس بالطبع « صنعا » من العوامل ، ويمكن أن نذكر ما قاله الغزالي في
--> ( 1 ) ابن مضاء : الرد على النحاة ، ص 81 .